نخبة من الأكاديميين

134

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

النصارى لم يكونوا ملزمين بالتواجد بصفة دائمة في كل موانئ المغرب « 1 » . وفي بعض الحالات كان القنصل يعين للقيام بمهمة مصاحبة السفن القادمة إلى بلاد المغرب . أما في سبتة فإن القنصل كان يعين لمدة سنة ، ويقوم بمساعدته نقابيون ورؤساء الحرف . وكان يقسم بالإنجيل بعدم السماح بإقامة مكان للدعارة في الفندق الذي يشرف عليه ، وكذلك عدم بيع الخمر الأجنبي إلا بعد نفاذ الخمر المرسيلي ، كما لم يكن يسمح بكراء الحوانيت للأجانب دون استشارة المسؤولين في الفنادق التي ينتمون إليها ، وعلى العموم فإن التزامات القنصل تجلت في ما يلي : أ - الدفاع عن مصالح الجاليات المسيحية سواء تجاه السلطات المحلية أو الأجانب . ب - إدارة الحي أو المدينة الصغيرة التي تقيم فيها الجالية المسيحية . ج - القضاء بين الرعايا « 2 » . وإلى جانب القنصل ، وجد داخل هذه المدن المسيحية موثّق يتم تعيينه من طرف القنصل ، ويأتمر بأوامره كما يشهد على ذلك عقد محرر بتاريخ فاتح نوفمبر / تشرين الثاني 633 ه - / 1236 م . ولم تكن مهمة الموثّق تنحصر في تحرير عقود التجّار فقط ، بل في تسجيل قرارات قضاء القنصل « 3 » . كما لا يستبعد وجود قضاة تحت إمرة القنصل ، وفي هذا الصدد ، تحتفظ الأرشيفات بوثيقة قرار تعيين قضاة من طرف محافظ مدينة بيزة بين التجار المقيمين في تونس بتاريخ 8 ماي / أيار 637 ه - / 1240 م « 4 » . من ذلك كل يتضح أن " الأحياء المسيحية " كانت تمثل مجتمعات صغيرة تعيش فيها الطوائف المسيحية ، وتمارس أنشطتها وديانتها بكامل الحرية ، وكأنها في بلدانها الأصلية . لكن هل يمكن القول أنها كانت تتمتع بحصانة ديبلوماسية ؟ لا شيء يمكننا من الإجابة بدقة على هذا التساؤل ، لكن يبدو أن جهاز الدولة المغربية العسكري والأمني لم يكن يسمح لهم بالدخول إلى هذه المدن سوى بأمر من السلطات المغربية « 5 » . بقي بعد هذا إثارة نقطة هامة تخص الوضعية الاجتماعية لفئة من هؤلاء المسيحيين ، وهي فئة العبيد الذين اضطرتهم ظروف الأسر إلى العيش في الغرب الإسلامي . فمن المعلوم أن القرصنة البحرية كانت تشكل أحد موارد بيت المال ، فضلا عن أن العبيد كانوا يمثلون يدا عاملة هامة ، كما أن مسألة افتداء الأسرى تحمل أكثر من دلالة على المغزى الاقتصادي من عمليات القرصنة . ونرجّح انطلاقا من نصوص تاريخية وفقهية أن مراكش وغيرها من مدن الغرب الإسلامي كانت تزخر بفئة الرقيق الأوروبي التي أثارت عطف العالم المسيحي ، فقامت بعض الجمعيات النصرانية بتقديم مشروع إلى البابوات يقضي بجمع التبرعات والصدقات لتحرير العبيد من بني جلدتهم . وقبل البابا إنوسانت الثالث المشروع ، واتصل بالخليفة الموحدي أبي يوسف يعقوب المنصور بواسطة رسالة مؤرخة في 8 مارس 1198 م يطلب منه فيها تسهيل مأمورية البعثة الدينية التي أرسلها لافتداء الأسرى « 6 » .

--> ( 1 ) Ibid , p 279 . ( 2 ) Ibid , p 279 . ( 3 ) Ibid , p 280 . ( 4 ) MASLATRIE , op , cit ; p 35 . ( 5 ) GISELE , op , cit , p 279 . ( 6 ) MENSAGE , op , cit , pp : 18 , 44 .